ابراهيم بن عمر البقاعي

164

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما دل ذلك على مزيد القرب ، وكان مجيء علامات الشيء أدل على قربه مع الدلالة على عظمته ، قال معللا للبغتة : فَقَدْ ودل على القوة بتذكير الفعل فقال : جاءَ أَشْراطُها أي علاماتها المنذرات بها من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « بعثت أنا والساعة كهاتين » « 1 » انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك ، وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره . ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر ، وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء ، سبب عن مجيئها قوله تعالى : فَأَنَّى أي فكيف ومن أين لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس من مغربها ذِكْراهُمْ * لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها ، وهو العمل على الإيمان بالغيب ، وهكذا ساعة الإنسان التي تخصه وهي موته وأشراطها الحاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك ، ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة . ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها ، سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم وأرقاهم وأجملهم صلّى اللّه عليه وسلّم تكوينا ليكون لغيره تكليفا فقال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ أي الشأن الأعظم الذي لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ أي انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم ، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة ، وإنما تكون علما إذا كان نافعا وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف ، وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده . قال القشيري : والعبد يعلم أولا ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول ، وعليه بني كل علم استدلالي ، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص علمه بنفسه بغلبات ذكره للّه بقلبه ، فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه ، ويقال : الذي رأى البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب البحر قوي هذا الحال ، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 5 / 330 - 331 و 335 و 338 والبخاري 4936 ومسلم 2950 و 5301 وغيرهم عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه .